العودة للخلف

(الخامس عشر) المحافظة على الصلاة

تاريخ النشر: 06 / 06 / 2026
: 5

 

الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبيه المصطفى ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه ومَن اقتفى، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإنَّ للصلاة منزلة عظيمة، ومرتبة جليلة في الإسلام، فإنَّ عليها مدار فلاح العبد وخسرانه، وهي الصلة بين العبد وربه، وهي من أعظم ما يُعين العبد على سائر أعماله كما قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45].

والمحافظة على الصلاة من أعظم أسباب انشراح الصدر، ونور الوجه والقلب، والبصر والبصيرة، ومن أعظم أسباب القوَّة والنشاط، كما أنَّ الإهمال فيها من أسباب الكسل في سائر الأعمال، والتأخُّر عنها: تأخُّرٌ عن مراتبِ السابقين، «ولا يزال قوم يتأخَّرون حتى يؤخِّرهم الله»([1]).

وبها رفعة العبد كما قال رسول الله : «عليك بكثرةِ السُّجود لله فإنَّك لا تسجُد لله سجدةً إلا رفعكَ الله بها درجةً وحطَّ عنك بها خَطيئة»([2]).

وسبب لحفظ الله تعالى للعبد، لما أخرجه مسلم في صحيحه عن جندب بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «من صلَّى الصبح فهو في ذِمَّة الله فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فيدركه فيكبه في نار جهنم»([3]).

وهي تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر.

قال العلامة ابن سعدي رحمه الله: «وجهُ كون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر: أنَّ العبدَ المقيم لها، المتمِّم لأركانها وشروطها وخشوعها؛ يَستنيرُ قلبه، ويتطهرُ فؤاده، ويزداد إيمانه، وتقوى رغبتُه في الخير، وتقلُّ أو تعدم رغبته في الشرّ، فبالضرورة: أنَّ مداومتها والمحافظة عليها على هذا الوجه تنهى عن الفحشاء والمنكر، فهذا من أعظم مقاصدها وثمراتها»([4]).

وتضييع الصلاة سبب للانهماك في المعاصي والسيئات. كما قال تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59] .

ولهذا كان النبي ﷺ يبايع على إقامتها والمحافظة عليها.

قال جرير بن عبد الله رضي الله عنه: «بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم»([5]).

وهي أوَّل ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة: كما قال النبي ﷺ : «أوَّل ما يُحاسب به العبد يوم القيامة صلاته»([6]).

ولم يزل النبيُّ ﷺ يحضُّ عليها إلى لحظاته الأخيرة من الدنيا، فقد كان يقول: «الصلاةَ الصلاةَ وما ملَكتْ أيمانُكُم»([7]).

قال سماحةُ الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى: «مِن أهمِّ الأمور التي يَجب على المسلم العناية بها والمحافظة عليها في رمضان وفي غيره: الصلوات الخمس في أوقاتها؛ فإنها عمود الإسلام وأعظم الفرائض بعد الشهادتين، وقد عظَّم اللهُ شأنها وأكثر مِن ذكرها في كتابه العظيم، فقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [الآية 238].

وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النور: 56] والآيات في هذا المعنى كثيرة.

وقال النبي : «العهدُ الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمَن تركَها فقد كفر»([8]).

وصحَّ عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «مَن حافظ على الصلاة كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة، ومَن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأُبيّ بن خلف»([9]).

ومن أهم واجباتها في حق الرجال أداؤها في الجماعة؛ كما جاء في الحديث عن النبي أنه قال: «مَن سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر»([10]).

وجاءه رجل أعمى فقال: يا رسول الله، إني رجل شاسع الدار عن المسجد، وليس لي قائد يلائمني، فهل لي من رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال له النبي : هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم. قال: فأجب»([11]).

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق»([12]).

فاتقوا الله عباد الله في صلاتكم وحافظوا عليها في الجماعة، وتواصوا بذلك في رمضان وغيره تفوزوا بالمغفرة ومضاعفة الأجر، وتَسْلمُوا مِن غضب الله وعقابه ومشابهة أعدائه من المنافقين»([13]).

«ونصيحتي للذين يتكاسلون عن الصلاة في رمضان ولكنهم يحافظون على صيام رمضان: أنْ يفكِّروا مليًّا في أمرهم، وأنْ يعْلَموا أنَّ الصلاة أهم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وأنَّ مَن لم يصل وترك الصلاة متهاونًا فإنه على القول الراجح عندي الذي تؤيده دلالة الكتاب والسنة أنه يكون كافرًا كفرًا مُخرجًا عن الملة، فالأمر ليس بالهين. لا يُقبل منه لا صيام ولا صدقة، ولا يقبل منه أي عمل.

لقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ [التوبة: 54].

فبيَّن سبحانه وتعالى أنَّ نفقاتِهم -مع أنها ذات نفع متعدٍّ للغير- لا تُقبل منهم مع كفرهم.

وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان: 23].

الذين يصومون ولا يصلُّون لا يُقبل صيامهم، بل هو مردودٌ عليهم.

فنصيحتي لهم أن يتقوا الله عز وجل وأن يحافظوا على الصلاة ويقوموا بها في أوقاتها ومع جماعة المسلمين، وأنا ضامن لهم بحول الله أنهم إذا فعلوا ذلك فسوف يجدون في قلوبهم الرغبة الأكيدة في رمضان وفيما بعد رمضان على أداء الصلاة في أوقاتها مع جماعة المسلمين؛ لأن الإنسان إذا تاب إلى ربه وأقبل عليه وتاب إليه توبة نصوحًا، فإنه قد يكون بعد التوبة خيرًا منه قبلها، كما ذكر الله سبحانه وتعالى عن آدم عليه الصلاة والسلام أنه بعد أن حصل ما حصل منه من أكل الشجرة، قال الله تعالى: ﴿ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى [طه: 122]»([14]).

نسأل الله أن يوفقنا لما يرضيه وأن يهدينا وجميع المسلمين للتي هي أقوم، والحمد لله رب العالمين.


([1]) مسلم 438.

([2]) مسلم 488.

([3]) مسلم 675.

([4]) تيسير الكريم الرحمن 581 ط: الرسالة.

([5]) صحيح مسلم 56 .

([6]) أخرجه أحمد (5/ 72)، وسنده صحيح.

([7]) رواه أحمد 26483 من حديث أم سلمة ، وهو حديث صحيح.

([8]) أخرجه أحمد (5/ 346) والترمذي (2621). عن بريدة رضي الله عنه.

([9]) أحمد في «المسند» (6576).

([10]) انظر: صحيح أبي داود 560 غراس ، الإرواء 551 ..

([11]) أخرجه مسلم (653).

([12]) أخرجه مسلم (654).

([13]) مجموع فتاوى ابن باز 15/31.

([14]) مجموع فتاوى ابن باز 15/178.

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم نسخ الدعاء بنجاح